خفايا ومرايا: «الإيزي» وزوابع الخريف
منذ شهر    الصحافة
هيئة «الإيزي» التي من المفروض أنّها هيئة مستقلة تقف على نفس المسافة من جميع الأطراف ويتساوى أمامها جميع المترشحين، هذه الهيئة لم تمسك نفسها إزاء ما يصدر على صفحات التواصل الاجتماعي من تنمّر وسخرية على سلوكيات بعض المترشحين خلال حملتهم الانتخابية فهبّت للرّد على ذلك بالإشادة بالمستوى الراقي التي تتسم به الحملات الانتخابية، ناسبه الأفعال الشاذة والغريبة والخطب الرديئة التي تخلّلتها إلى مرشحي الأحزاب، الذين تمّ دسّهم في العملية بغاية ترذليها، قد يكون هنالك بعض المنطق في ردّ الهيئة لو توقّفت هاته الأخيرة عند استنكار ما تضمّنته بعض التعليقات من تجريح وتحقير لمواطنين مارسوا حقا مشروعا في التقدم للانتخابات، لكن أن تتجاوز ذلك باتهام الأحزاب ومرشحيها بالتآمر على تلك الانتخابات، فهذا يكشف عن حالة التخبّط والارتباك التي باتت عليه هاته الهيئة ، ففي وقت غير بعيد كانت قد أكّدت أنّه لا وجود لإقصاء الأحزاب وأنّه من حق هاته الأخيرة ترشيح أعضاء وفق شروط معينة ، وإن كان موقف «الإيزي» ليس غريبا منذ التغيير والتحوير الذي أدخل عليها بمرسوم والذي تأكّد في محطة ما سمّي ب « الاستفتاء على الدّستور» اتّضح انحيازها وفقدانها لاستقلاليتها، فالغريب هنا موقف مختلف فعاليات المجتمع سواء تلك التي ساندت طمعا في أن يكون لها دور سياسي في المشهد الجديد وما زالت تواصل بالرّغم من أنّها ترى أحلامها تتبخّر يوما بعد يوم وأنّها لن تجني شيئا رغم تنوع تكتيكاتها ومحاولاتها في التأقلم مع المسار، أو حتى تلك التي تخندقت في الرفض منذ انطلاقة المسار ولم تخرج إلى حدّ اليوم من تلك الزاوية لتجديد نفسها والبحث عن بديل. ومها كانت حالة الوهن والخمول التي تبدو عليها تلك الفعاليات فإنّه ليس من الصعب معاينة تراجع شعبية «المسار» وفقدانه لجاذبيته وهذا ما تسبب في اتساع دائرة المحبطين والناقمين ويفسّر تصاعد حملات التنمّر والسخرية لأولئك على كلّ ما هو حولهم.ولأنّ من أخطر الأشياء التي حصلت إثر «25 جويلية» هو تحويل تلك العملية من عملية مقيدة بأحكام دستورية وبأهداف محدّدة إلى تيار «ايديلوجي» وتقديمه كبديل سياسي ومشروع مجتمعي شامل ممّا فتح الباب واسعا «للهرطقات» الشعبوية... والشعبوية في جوهرها معادية للفكر والنخب والعقلانية، لذلك كانت المهمّة الاولي لتثبيت المسار الوليد هي التجريح والتشنيع بالنخبة من بوابة السياسة وتصويرها كعدوّ مطلق للشعب ووقوع جزء من النخبة في الفخ سهّل على «المسار» استبعادها كلّهم من الموالين والمعارضين ما عدى من رضي لنفسه البقاء في الذيل.فهذه المحطة الانتخابية أسقطت زيف تلك الادعاءات القائلة بوجود نخبة لذاتها منفصلة عن هموم الشعب ونخبة أخرى من صميم الشعب ومن صلبه وهي التي لها الحق في تمثيله والتحدّث باسمه، فجلّ المترشحين اليوم هم من أعضاء الأحزاب ومن الأحزمة التي شاركت وحكمت في العشرية السابقة ومن بينهم من هم الأكثر تعصبا لـ»25 جويلية» والأكثر تطرّفا في إدانة قياداتهم وأحزابهم السابقة ومنهم بعض أعضاء «الإيزي» الذين وصلوا إلى الهيئة عبر الأحزاب ونواب تلك الأحزاب والقانون الذي وضعوه بالبرلمان وأولئك الأعضاء هم الذين أشرفوا على الانتخابات التي أوصلت تلك الأحزاب إلى سُدّة الحكم، إذن فمن الوهم الاعتقاد بأنّ هذه الانتخابات قد تؤدي إلى قطيعة مع كلّ ما هو سابق او حتى أنّها تصلح لملء الفراغ المؤسساتي ولو بصفة مؤقتة، فخطورة هاته الانتخابات هو أن البرلمان الذي سينبثق عنها، علاوة على أنّه لا يمتلك صلاحيات حقيقية فإنّه يكرّس الخطوة الفعلية الأولي في استبعاد الأحزاب وذلك ما تريده الشعبوية لرفع كلّ العوائق أمام فرض نظامها «القاعدي». وقد حققت الشعبوية بعض النجاحات المهمّة في تدجين بعض المؤسسات وتحويلها إلى أدوات طيعة بين أيديها ونزع «مخالب الأحزاب» وجعلها لا تقوى إلاّ على الصراخ و تحييد جزء من المجتمع المدني وإضعاف الجزء الأخر لكنّ ذلك النجاح الظاهر الذي تحقق لها في المجال السياسي يقابله فشل ذريع في تحقيق الوعود التي التزمت بها في المجال الاقتصادي الاجتماعي، فلا المداهمات الفجئية ولا المراسيم ولا الخطب النارية أوقفت لهيب الأسعار وكشفت عن «شبكات المحتكرين» المتآمرين الذين يتلاعبون بـ«قوت التوانسة» حسب تعبير رئيس الدولة نفسه، واكبر خطر على الشعبوية هو أنّ «جمهور الخبز» الذي لا يهتمّ كثيرا بالمسائل ذات الطابع السياسي الصرف إلاّ في ما له علاقة فيها مع حياته اليومية وهو أكثر من أيّد مسار الرئيس وسياسة الرئيس في دوس الأحزاب لم تعد تستهويه كثيرا حكايات إيقافات وملاحقات «الأشرار» الذين أضرّوا به في السابق وبدأ يتساءل حول حقيقة من يحكمه في الحاضر ويخطط له مستقبله.