منبــــر: التضخم يبلغ 9.8 ٪ : الحلّ في النضال من أجل تجميد الأسعار والزيادة في الأجور
منذ شهر    الصحافة
بلغت نسبة التضخّم في شهر نوفمبر المنقضي، حسب معهد الإحصاء، نسبة 9.8 في المائة. وهي أعلى نسبة تسجّل منذ ثلاثة عقود. وفي هذا السياق فقد ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 15.1 في المائة. وقدّم المعهد تفاصيل حول ارتفاع أسعار بعض المواد: البيض: 43.3 في المائة، الخضر الطازجة: 32.4 في المائة، الزيوت الغذائية 20.4 في المائة. وهذه المواد من بين المواد الاستهلاكية الأولى لغالبية العائلات التونسية. وتضعنا نسبة التضخم لشهر نوفمبر على أبواب تسجيل نسبة تضخم برقمين (10 في المائة فما فوق) في آخر الشهر الحالي.(انظر جريدة «المغرب» بتاريخ الثلاثاء 6 ديسمبر 2022 ص 4). وأمام هذا الوضع الخطير الذي يتحمّل عبئه في الأساس العمال والأجراء وعموم الفقراء والمعطلين عن العمل في المدينة والريف، وهم الأغلبية الساحقة من المجتمع، فإن سعيّد وحكومته يلازمان الصمت من جهة ويسيران قدما في تنفيذ خيارات اقتصادية ستغرق تلك الغالبية في مزيد الفقر والبؤس والبلاد في مزيد التبعية من جهة ثانية. إن السبب الرئيسي للتضخّم، وهو ما يقرّ به معهد الإحصاء نفسه، هو انهيار منظومات الإنتاج الأساسية أي عجز الخيارات الاقتصادية الحالية عن تحريك هذه المنظومات وبالتالي تطوير القوى المنتجة ومن ثمة إنتاج الثروة بما يلبّي حاجات المجتمع. يضاف إلى هذا السبب الأساسي أسباب أخرى مرتبطة به رأسا وهو استمرار ارتفاع أسعار المواد الأساسية والمنتوجات المستوردة علاوة على أسعار المحروقات المتقلبة وتراجع قيمة الدينار التونسي أمام العملات الأجنبية وفي مقدمتها الدولار واليورو. وإذا كانت معالجة التضخّم معالجة جذريّة تقتضي النضال من أجل القطع مع الخيارات الاقتصادية الحالية التابعة والهشة والمدمّرة للقوى المنتجة في المدينة والريف، وفرض نمط إنتاج وطني، قائم أولا وقبل كل شيء على تطوير القطاعات المنتجة وفي أولها الفلاحة والصناعة وما يرتبط بهما من تطوير للتعليم والعلوم والتكنولوجيا، وهو ما لا يمكن أن يتحقّق إلّا مع حكم وطني جديد يقطع مع نمط الحكم الحالي الذي يخدم مصالح الحيتان الكبيرة وأسيادهم في الخارج، فإن عموم العمال والأجراء والفئات المفقرة والمهمّشة، لا يمكنهم أن ينتظروا إنجاز ذلك التغيير حتى يتمتّعوا بحقّهم في العيش الكريم، بل عليهم أن يتجنّدوا من هذه اللحظة لمقاومة خيارات حكومة «سعيّد – بودن» ويتصدّوا بشكل مباشر وملموس للإجراءات التي تتّخذها ويعدّوا العدّة لتحقيق القطيعة مع خياراتها وخيارات النظام القائم عامة. إن العمّال والأجراء لا يمكنهم التصدّي لسياسة التضخّم إلاّ بالمطالبة أوّلا وقبل كل شيء بالزيادة في الأجور. إن التضخّم يضرب مباشرة مقدرتهم الشرائية. إن العامل أو الأجير يصبح غير قادر على شراء نفس كمية المنتجات التي كان يشتريها قبل سنوات بنفس الأجر الذي يتلقّاه اليوم. إن «الأجر الاسمي»، أي المبلغ النقدي الذي يحصل عليه العامل أو الأجير، لا يتقابل مع «أجره الحقيقي» أي كمّية المواد التي يحصل عليها فعليّا بذلك المبلغ مقارنة بوقت سابق. وهو ما يعبّر عنه عامة النّاس عندنا بالقول: «يا حسرة كنت بعشرة آلاف نعبّي قفّة قضية، تَوّة العشرة آلاف ما عاد تجيب شيء). ومن هذا المنطلق فمن حقّ العامل أو الأجير أن يطالب بالتعويض عمّا فقده من مقدرة شرائية. وهو ما لم يحصل في تونس منذ عقود. فالزيادات في الأجور لا تغطّي إلا الجزء الضئيل من نسبة التضخّم ومن الزيادات في الأسعار. وهو ما جعل من الزيادات في الأجور، منذ 1983 أي العام المرجعي للدراسات حول المقدرة الشرائية، لا تمثّل تحسّنا في هذه المقدرة وإنّما مجرّد تغطية جزئية لما حصل فيها من تدهور. ولكنّ المطالبة بالزّيادة في الأجور غير كافية فالعامل أو الأجير من حقّه أن يطالب في نفس الوقت بتجميد الأسعار وخاصّة أسعار المواد والخدمات الضرورية، لأن الحكومة، وهو ما يجري اليوم أمام أعيننا، تسترجع باليسرى ما تقدّمه باليمنى، فهي تقبل بزيادات زهيدة ومحدودة في الأجور، لا تغطّي نسبة التضخّم وبالتالي تدهور المقدرة الشرائية، وفي نفس الوقت تقوم بزيادات مهولة وجنونية في الأسعار تلتهم تلك الزّيادات في الأجور وتتجاوزها بكثير. ومن الواضح أنّ هذا النهج الذي تسير فيه حكومة قيس سعيد لن يتوقّف. فهي مقرّة العزم، رضوخا لإملاءات المؤسسات المالية الدولية للحصول على حفنة (نعم حفنة) من الدولارات، على المضي قدما في رفع الأسعار (عبر رفع الدعم) من جهة وتجميد الأجور أو الزيادات فيها بمعدلات ضعيفة للغاية، لا علاقة لها بتطور نسبة التضخم وارتفاع الأسعار وتدهور المقدرة الشّرائيّة. وإلى ذلك ويشكل مختصر فإن قانون المالية للعام 2023 سيكون بكل المقاييس حربا على الشعب. إن قيس سعيّد الشعبوي وحكومته الفاشلة والطيّعة يدمّران حياة ملايين العمّال والأجراء والفقراء الذين أصبحوا غير قادرين على ضمان الحد الأدنى من المواد والخدمات المعيشية الضرورية لأنفسهم ولعائلاتهم، هذا علاوة على فقدان العديد من المواد الغذائية الضروريّة والأدوية (بما فيها الخاصة بالأمراض المزمنة بما يعني الحكم بالموت البطيء على المرضى المعنيّين). ومع ذلك لا يتوقف «قراقوش» زمانه عن التظاهر بكونه «مع الشعب» ولا يتورّع عن التساؤل زورا وبهتانا عمّن يزيد في الأسعار، كما لا يتورّع عن التنصّل من مسؤوليته ومسؤولية حكومته فيما آلت إليه أوضاع الشغّالين والأجراء والمفقّرين والمعطلين عن العمل، نساء ورجالا، من تدهور فظيع في ظروف حياتهم مردّدا نفس الخطاب المهترئ حول «المحتكرين والمتآمرين» وهو، في الواقع، من خلال سلوكه وخياراته الملموسة، راعيهم وحاميهم. إن العمّال والأجراء وكلّ الفئات المفقّرة والمهمّشة والهشّة يواجهون اليوم أيّاما صعبة. ولا شيء ينبئ أنّ الأمور قابلة لـ»الإصلاح» مع المنظومة الحالية. إنّ قيس سعيّد لا يحمل معه الخلاص من إرث الحكومات المتعاقبة بعد الثّورة والتي شاركت حركة النهضة فيها جميعا وإنما هو يحمل معه مزيد الدمار والخراب. وهو في هذه الظروف يعدّ لإجراء انتخابات مهزلة لا هدف منها سوى إضفاء شرعية زائفة على حكمه الفردي المطلق عبر مجلس نوّاب صوري، لا دور له في تقرير الاختيارات ولا في سنّ التّشريعات ولا في رقابة السّلطة التّنفيذيّة، رئيسا وحكومة. وهو ما سيعمّق الأزمة العامة والشاملة ويدفع ببلادنا نحو الانهيار. وفي حالة كهذه فإنّ العمّال والأجراء والفقراء ليس لهم ما يخسرون اليوم غير فقرهم وبؤسهم، فإلى النّضال الذي يمثّل السّبيل الوحيد لوضع حدّ لتدمير وطنهم وحياتهم ووقف حدّ لمهانتهم. إن محاور التعبئة واضحة في نظرنا: من أجل أجر أدنى لا يقلّ عن ألف دينار، وزيادة في الأجور تغطي تدهور المقدرة الشرائية بالكامل وتحسين مداخيل المتقاعدين وإقرار منحة محترمة للمعطلين عن العمل وتجميد الأسعار وخاصة أسعار المواد والخدمات الأساسية. وإذا ما سأل سائل من أين سيؤتى بالموارد لتمويل كل هذه الإجراءات، فإن الجواب واضح: إن منظومة الحكم هي المطالبة بالحلول وليس العامل أو الأجير أو الفقير الذي لا يتوفر له الحد الأدنى لضمان قوته اليومي وهو يواجه في كل لحظة شبح الجوع والعطش والمرض والبؤس... أما المهزلة الانتخابية فلتكن فرصة ليوجه فيها الشعب رسالة واضحة إلى قيس سعيّد حتى لا يستغلّها لارتكاب مصائب جديدة على حساب الوطن والشعب بدعوى أنه «صاحب الشرعية والمشروعية».